الشيخ السبحاني
62
مفاهيم القرآن
أي ليس الجميع - من أهل الكتاب - على وتيرة واحدة ، وأنّه يوجد بينهم من يستقيم على دينه ، ويثبت على أمر اللَّه ، ويتلوا آيات اللَّه فهم الذين يعدّون من الصالحين أيالذين صلحت نفوسهم فاستقامت أحوالهم وحسنت أعمالهم . ومن المعلوم أنّ توصيف ثلة قليلة بالصلاح إنّما هو في مقابل الأكثرية الموصوفة بالفسق والطغيان وقتل الأنبياء والاعتداء . وهذا التحسين النسبي لا يدل على إقرار شريعتهم وعدم نسخه بالإسلام وأنّهم لو عملوا بشريعتهم لكانوا من الناجحين . ويدل على ذلك أنّه سبحانه يصرّح في الآية 110 بلزوم إيمان أهل الكتاب بما آمن به المسلمون ويقول : « وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتبِ لَكَانَ خَيراً لَهُمْ » . وعلى ذلك يتّضح مساق الآية وهدفها . إجابة أخرى : غير أنّ المفسرين فسّروا الآية على وجه آخر وقالوا : لما أسلم عبد اللَّه بن سلام وجماعة قالت أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلّا شرارنا فأنزل اللَّه : « لَيسُوا سَواءً . . . - إلى قوله - مِنَ الصلِحِينَ » . روي ذلك عن ابن عباس وقتادة وابن جريح . وقيل انّها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم « 1 » . غير أنّ هذا التفسير لا يلائم ظاهر الآية فالظاهر أنّ الموصوفين بالصلاح من أهل الكتاب حين نزول الآية كما هو ظاهر قوله : « لَيسُوا سَواءً مِن أَهلِ الكِتبِ » ولو كان المراد هو المؤمنون المسلمون لما عبّر عنهم بهذا العنوان ولا ينافي ما ذكرنا توصيفهم
--> ( 1 ) - مجمع البيان ج 4 ص 488 ، راجع الدر المنثور ج 2 ص 64 و 65 .